الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
21
انوار الأصول
نطلب الحجّة بيننا وبين اللَّه تعالى سواء قبل الخصم أو لم يقبل . وثانياً : بأنّ عدم وجود الملازمة بين الأمرين أمر واضح ، ضرورة أنّ ما شكّ في وجوبه أو حرمته ليس عند الخصم بأعظم ممّا علم بحكمه ، فإذا لم تكن ملازمة بينهما في المخالفة القطعيّة فعدمها في المخالفة الاحتماليّة بطريق أولى . أقول : يمكن الجواب عنه بأنّ ما يهمّنا في الفقه إنّما هو الأمن من العذاب ، وهو حاصل بنفي الفعليّة سواء لزمه نفي الاستحقاق أم لا . الأمر الثاني والثالث : ما أفادهما الشيخ الأعظم رحمه الله من أنّ ظاهر الآية الإخبار بوقوع العذاب سابقاً بعد البعث فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة ، فمحصّل كلامه : أوّلًا : أنّ الآية مختصّة بالأمم السابقة ، وثانياً : أنّ اللَّه تعالى قد أخبر بنفي خصوص العذاب الدنيوي ، وليس في الآية دلالة على أنّه تعالى لم يعذّبهم لعدم استحقاقهم له كي يكون دليلًا على نفي العقاب قبل البيان مطلقاً ، أي الدنيوي والأخروي جميعاً بل لعلّه لم يفعل ذلك منّة منه تعالى في خصوص الدنيا . والجواب عنهما واضح ، أمّا بالنسبة إلى الأوّل منهما فلأنّ لحن الآية الشريفة إنّما هو لحن قوله تعالى : « وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً » « 1 » ، فيدلّ على أنّه لا يكون العذاب من دون بعث الرسول لائقاً بشأنه تعالى ، ولا معنى لاختصاص هذا المفهوم بالأمم السابقة كما تشهد عليه الفقرتان السابقتان على هذه الفقرة ( أي قوله تعالى « مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا » وقوله تعالى : « وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى » ) حيث إنّه لا إشكال في عدم اختصاصهما بالأمم السابقة . وأمّا بالنسبة إلى الثاني منهما فلأنّه إذا لم يعذّبهم في الدنيا فعدم تعذيبه في الآخرة بطريق أولى ، وهو عذاب يدوم بقاؤه ولا يخفّف عن أهله ، والشاهد عليه الآية اللاحقة وهي قوله تعالى : « وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً » . الأمر الرابع : « إنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية المباركة هو أنّ المؤاخذة والعقوبة لا تحسن إلّا
--> ( 1 ) سورة مريم : الآية 64 .